شكدالي يكتب: المجتمع المُرَقمن محاولة في نحت المفهوم ودلالاته

بالنظر إلى جحم التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية على مستوى التواصل والتفاعل الاجتماعي، يمكننا الإقرار بأن البشرية قد دخلت حقبة تاريخية كبيرة وهي لازالت في بدايتها الأولى والتي يمكن تسميتها بعصر الرقمنة. فلقد أدى ظهور هذه التكنولوجيا إلى تغيير “الطريقة التي نلتقي بها أو نعمل أو نتصرف أو نستهلك بها بشكل كبير” كما جاء عند مجموعة من الباحثين المهتمين بهذا المجال (Jean-Samuel Beuscart, Eric Dagiral, Sylvain Parasie (2016) Sociologie d’internet – Armand Colin –

ذلك أن تطور التكنولوجيا الرقمية وصل إلى ذروته مع الانتقال من الويب Web 1.0 إلى الويب Web 2.0 في بداية الألفية الثالثة. الشيء الذي نتج عنه تغيير مكانة مستخدم هذه التكنولوجيا من مستهلك للمحتويات إلى منتج لها. وهكذا، ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي الرقمي حيت أصبح مفهوم التواصل الفيزيقي المباشر بين الأفراد يأخذ بعدا افتراضيا عن بعد وعبر زمن راهني En temps réel.

وبذلك، ظهر مفهوم المجتمع المُرقمن الذي يتيح لأفراده التفاعل من خلال فضاء سيبراني Cyberespace متجاوزين بذلك الحدود الفيزيقية للتواصل نحو الانفتاح على مضامين من كل المشارب والثقافات.

وفي هذا الصدد، سنحاول التعريف بمفهومي المجتمع المُرقمن والتواصل الاجتماعي السيبراني، وذلك حتى يتسنى لنا رصد التحولات التي عرفها هذا المجتمع على مستوى التفاعلات وما يحمله من دلالات نفسية –اجتماعية لدى الأفراد والجماعات. وعليه، فإن التساؤلات التي ستقودنا في هذه المهمة يمكن صياغتها على الشكل التالي:
– كيف يمكننا التعريف بمفهوم المجتمع المرقمن من خلال التحولات التي رافقت التكنولوجيا الرقمية في الولوج إلى التداول الاجتماعي الموسع؟
– وما هي محددات المجتمع المرقمن التي أسست لانخراط الأفراد في التواصل الافتراضي عبر الشبكات الاجتماعية الرقمية؟
– وبأي معنى يمكن اعتبار شبكات التواصل الاجتماعي الرقمي فضاء سيبراني للتواصل الاجتماعي؟
– وكيف ساهم هذا التفاعل الرقمي في بزوغ إدراك اجتماعي جديد لدى مستخدمي هذه الشبكات الرقمية؟

إن اصطلاح “المجتمع المُرَقمن”، يحيل على مفهوم تم تحويله إلى اللغة العربية انطلاقا من مفهوم La société connectée بالفرنسية أو The connected society بالإنجليزية. ومن الواضح أنها ليست ترجمة حرفية للمفهوم بقدر ما هي عملية تحويل للمضمون والمعنى. وبهذا الصدد، يمكن الإشارة إلى عدة اصطلاحات ومفاهيم موازية تحاول وصف انخراط المجتمع في التداول الرقمي كمجتمع الشبكات الرقمية أو المجتمع الافتراضي وغيرها.

غير أن وصف المجتمع المتصل رقميا بالمُرَقمن له ما يبرره إذا استحضرنا أن الانخراط في التواصل الرقمي لم يكن وليدا للصدفة بحيث يخضع مسبقا لعمليات برمجية رقمية واعدادات paramètres ووظائف وميزات Fonctionnalités تدفع بالمنخرطين إلى الإبحار في الفضاء السيبراني الرقمي وفقا لنماذج مبرمجة سلفا.

ومن هنا، فالمتصل Le connectéبالشبكات الرقمية يجد نفسه مكبلا بالضوابط البرمجية للشبكات الرقمية التي ترسم له، في غفلة منه، المسار الذي يجب عليه أن يتبعه في عملية الإبحار الرقمي. فالاعتقاد بحرية التعبير من خلال الشبكات الرقمية هو اعتقاد قد يكون واهما مادامت هذه الشبكات والمواقع من خلال ميزاتها وضوابطها تدعوه ضمنيا وتحثه لاشعوريا على انتاج مضامين معينة. وكأننا أمام عملية سيكولوجية تجمع بين المثير والاستجابة.

وبهذا المعنى يكون المجتمع المرقمن هو الذي يستجيب في إنتاجاته للمضامين الرقمية لخوارزميات أعدت لهذا الغرض. وهنا لا نتحدث عن مجتمعات محلية بثقافاتها الأصلية بقدر ما نتحدث عن المجتمع الكوني المعولم الذي ينخرط في الفضاء السيبراني حيث تنتفي الحدود الإقليمية للمجتمع بالمعنى الكلاسيكي. الشيء الذي قد يدفع بنا إلى التساؤل حول مفهوم المجتمع كما عهدنا تداوله في الأوساط العلمية منذ عقود.

صحيح أن الأفراد المبحرين في الشبكات الرقمية يظلون في عملية إبحارهم على الويب محملين بمخزون ثقافتهم المحلية، إلا أن هذا المخزون الثقافي مع ما تمليه الخوارزميات الرقمية يصبح في طور إعادة التشكيل Reconfiguration تماشيا مع النماذج المعرفية-الادراكية التي حددت كشرط مسبق للإبحار الرقمي-السيبراني.

وبالرجوع إلى الشبكات الاجتماعية الرقمية يتعزز هذا الطرح على اعتبار أن هذه الشبكات أصبحت أمكنة افتراضية للتفاعلات الاجتماعية موجهة لإعادة تشكيل الثقافات المحلية في قالب مرقمن يحيل على ابراز الفردانية كعرض الذات والمشاعر والعلاقات الحميمية وجعلها على المشاع من خلال المحتويات والمضامين الرقمية.

ولكونها أمكنة رقمية-افتراضية، فإن هذه الشبكات تعزز التنشئة الاجتماعية بما هو مرقمن ثقافيا ليدمج، بطرقية أو أخرى، في السلوك اليومي للأفراد والجمعات. ومن خلال ذلك نصبح أمام نوع جديد من التأثير الاجتماعي والذي يمكن أن ننعته بالتأثير السيبراني الذي يرسخ نظما في التفكير بمحتويات ومضامين المجتمع المرقمن.

لقد أدى انتشار التكنولوجيا الرقمية، بشكل عام والشبكات الاجتماعية بشكل خاص، إلى ظهور أنماط حياتية جديدة من التعلم والاستهلاك والتنشئة الاجتماعية والهوية وغيرها. الشيء الذي يسائلنا بقوة حول إعادة تشكل ثقافة المجتمع في الفضاء الرقمي-السيبراني. فالتعبير عن الذات من خلال صور السيلفي، والكشف عن الجسد والحميمية وممارسة نوع من الجراحة التجميلية الرقمية لهذا الجسد عن طريق تطبيقات Filtres، كلها مواضيع تدخل في صلب المجتمع المرقمن الذي في ظاهره يدعو إلى حرية الأفراد في التعبير عن ذواتهم لكن بسلوكات تنحو نحو التشابه والمماثلة.

في نهاية هذه الورقة لابد من القول، إن الغرض من كتابتها ليس غرضا تنظيريا وإنما هي دعوة للمهتمين بدراسة المجتمع للتناظر والبحث في هذا الموضوع الذي أصبح يقلب كل النظريات السابقة في فهم المجتمع وسلوكه المعرفي والانفعالي.